وكان هذه المرة موسم الحج هو السبب في ذلك .. كما كان موسم رمضان ايضا سببا في لحظة قدومه قبل شهور ..تماما كحجابها الذي غدا لحظات دائمة من السخرية والإستهزاء ..
سألتني : هل يغارون من الله ؟؟
لم كل هذا الحقد على شعائر الحج والسخرية منها .. ؟؟
وبعد ان ابتلعت دموعها .. عادت ونظرت الي نظرة كلها رجاء وحيرة .. بحثت بقلبي في اعماقها ..ما الذي يقلقها ..!!
كانت تخجل من التوضيح .. وكنت ازداد حيرة ..
قلت: أسألي بالله عليك يا غاده ؟؟
إمتعضت اكثر كأنها في دوامة من الإستحياء من نفسها ..ثم أفصحت ..
لماذا يا أروى .. انا مؤمنة ..والله انا مؤمنة .. وأؤمن بالله العلي العظيم ولدت كذلك ومقتنعه بالخالق العظيم وانه مالك الملك .. وان ما يأمر به لا مناص من الحكمة فيه .. وأننا يجب ان نؤمن دون ان نسأل فالله وحده الذي يتناهى لديه العلم ..ولكن يلح عليّ السؤال ..لماذا كل هذه التظاهرة كل عام ولماذا كل هذا العناء في الحج لتأدية شعائر معينه .. هل كان لها داع او مبرر ..؟؟..!!
لم يتوقف قلبي عن النبض .. وان كنت لم اتوقع شكها وحيرتها .. لكن موجة الغضب اجتاحت دماغي ورفعت يدها لتصفع الجهل الذي يخنقني أينما ذهبت في ادراك كنه هذا الدين ..والتشكيك به من قبل اعداء الله المنافقون الكذبة ملعونين الى يوم يبعثون ..
علمانيون من أولئك الحاقدين المستغربين هم يا غاده اليس كذلك .. ؟؟..!!
هم كل شيء يا أروى .. الا التواضع لله .. كل يوم بوجه .. كل يوم برأي .. عنجهية الكفر فيهم فاقت كل تصور .. حتى أصطادت من قلبي .. اعترف لك بذلك ..بدأت أشعر بضعفي أمامهم ..وبدات اخاف على نفسي ..
أسمعيني يا غاده جيدا ..
اولا وقبل كل شيء واهمة انت وغيرك من الناس أن ظننت اننا يجب ان نؤمن دون ان نسأل او نفكر هذا بحد ذاته كفر .. فالمعرفة إيمان .. وأن كانت الثقة بالله الذي خلق لنا هذه الوجوه التي ننظر بها في المرآة كل صباح .. وهذه الأرجل التي نسير بها الى اعمالنا ..وهذه الأصابع التي نطقطق بها على أجهزة الحاسوب في أداء واجباتنا الوظيفية ولهونا .. كفيلة بجعل المتناهي في الحمق يؤمن ..فهل جاءت أصابعنا هذه عن طريق نظريات ماركس ولينين الى الحياة ..!!
لكن التأمل والتدبر هما من شروط هذا الدين .. الأيمان يا غاده لا يحتاج الى كثير من الفلسفة والهرطقة ..ولكنه ايضا يتدعم بالعقل والنظر ..
أنت قلتيها بنفسك يا غاده .. لماذا هذه التظاهرة الإنسانية من كل عام في الحج .. ألم تتأملي ولو للحظات بهذه التظاهرة ..وبهذه الحركة الجماعية للناس .. عندما نتأمل اكثر يا غاده ونفهم بوعينا الفطري أصلا بالدين يزداد ايماننا ولا تستطيع قوة على الأرض زلزلته ..فكيف بمجموعة من المخبولين عقليا .. هؤلاء العصاة ..
هذا الحج هو بالفعل كرنفال جمعي للناس كافة يقام من كل عام على رؤوس الأشهاد ..
وهو معالجة حقيقية لكل مشاكل الإنسانية الرئيسية التي لا زالت تفتك بالناس وعقولهم .. برمزية مذهلة ..
لكن الفرق أن مصمم هذه المناسك هو الله وليس فرويد .. !!
وان الثورة التي يفعلها الحج في النفس البشرية ضد الظلم بكل صوره هي ثورة قادمة بتخطيط الهي حكيم ان جاز لي التعبير بذلك .. وليس من تخطيط جيفارا ..!!
ولو كان فرويد أو ماركس او جيفارا من أسس لهذه المنظومة المتكاملة من الشعائر التي تبنى رؤية كاملة وعملية وبشكل تطبيقي مصور بحركات مدروسة لأهم القضايا الإنسانية لركع زملاؤك وزميلاتك ممن تقولين لها ..!! بل لركع العرب لهم سجودا وقياما وتمجيدا ..كما يفعلون دوما وببلاهة .. ويشمخون بأنوفهم امام ربهم العظيم ..!!
هل اقول لك شيء لو كان هذا الحج من نظريات الغرب أو بنات أفكاره ..لقدسه الغرب نفسه ولنصبت له امريكا تمثالا رمزيا اعظم من تمثال الحرية .. او لصنعت فرنسا تعبيرا عن احترام قيمته برجا اعظم من برج أيفل ..لما فيه من رمزية للمعاني الإنسانية الكبرى في الوجود تفوق التصور ..بل والله لركعوا وسجدوا له لما فيه من تثبيت لهذه المعاني في كل عام في مهرجان عالمي عظيم مشهود ..
أنظري مثلا الى رمي الجمرات .. هذا التجمهر والتطبيق العملي لرمي كل نزعة سلبية في النفس البشرية بالرفض القاطع والمطلق لكل شر يساور هذه النفس متمثلا في الشيطان أساس الشر ومركزيته في عالم الأنسان وذاته ..ليس نظرية في كتاب او درس عن عمل الخير في حصة مدرسية ..بل تغيير شمولي للمحتوى الداخلي للإنسان ..وبصورة تطبيقية جمعية ..اليست هذه معالجة حقيقية لنزع كل نزعة شر وتحويلها الى خير في مشهد عالمي فيه من التأثيرات الإيجابية والإيحاءات ما لن يخفى على صاحب الحكمة المتقد ذكاءا وادراكا من أصحاب العقول النيرة .. اليس في هذا الرفض للشر مؤتمرا عالميا للبرمجة اللغوية العصبية أكثر فاعلية من دورات أبراهيم الفقي وكل مدارس علم النفس والإجتماع النظرية والتطبيقية تدعو الى التخلي والترك للشر عن طريق بذل الجهد وقطع المسافات والإعداد أولا والسفر والإرهاق والوقوف بعرفة والترقب لذلك بالنوم في المزدلفة ثم الأنتقال الى موقع آخر في منى ثم التجهيز لتلك الجمرات لرميها بدلا من الجلوس خلف طاولات بأزهار حمر ومجموعات من البشر منمقة خلفها تتباهى بوجودها وتتفزلك الكلام وتعتصره في أستوديهات وقاعات معطرة بالمباهاة والفخر ..وجمال القالب وغياب القلب ..فرق شاسع بين هذا وذاك لوتدبرنا ..
أنظري الى قضية السعي الذي نمارسه سواء كان ركن او تطوع .. وقولي لي انت ماذا يعني لك ..هذا العالم الذي لا زال حتى هذه اللحظة يعاني من ظلم حقيقي واقع على نصفه الثاني .. المراة .. كيف عالج الحج دخيلة النفس الإنسانية بجعل الناس من المشرق والمغرب يأتون للسعي على سعي امراة ليست بنبي .. ولا بصديقة كالسيدة مريم عليها السلام ولا حتى بحرة بل امرأة جارية في أضعف حالتها .. تسعى على طفلها .. فتبقى الإنسانيه من فجر التاريخ الى نهاية العالم تسعى على آثار أقدامها تقديسا لدورها في الحياة وأكراما لجهدها ..أيهما برأيك أكثر أقناعا يوم المرأة العالمي .. مؤتمر يلقي فيه عشرة مثقفين برجوازيين خطابات تشبع غرورهم في فنادق الخمس نجوم .. ام حالة تطبيقية يمارسها كل مستطيع فقيرا ام غنيا أسودا كان أم ابيضا .. ضعيفا أم قويا .. رجلا أم امرأة ..سعيا على جهد المراة تقديرا ورفعة لشأنها ..
والحديث يطول في كل مثال.. لكن الأهم فيهم جميعا تلك اللحظة التي يقف فيها الجميع في المكان الذي ذُكر في الأثر انه كان لحظة تعارف والتقاء آدم وحواء على وجه الأرض ..موقف عرفه .. حين يعود الجميع بوقت واحد الى اصل أنسانيتهم للتلبية لنداء الخالق .. فيتوحدون في بوتقة واحدة تصهرهم جميعا .. هل هناك أعظم من ذلك اليوم ..الذي يحق ان يطلق عليه يوم الوحدة العالمي .. وهذا هو صلب الدين الأسلامي أنه بتوحيد الخالق يتجمع الخلق ولا يتفرقون .. ثم ينتقلون من مرحلة أعتبرها أنا حالة نفسية الى مرحلة أهم منها للتأكيد في كل واحدة على أهم المرتكزات الإنسانية في الوجود .. التي يجب ان تحيا في الإنسان ويعيش بها ..
أنظري الى قضية الأضاحي كمثال آخر يا غاده .. لما أراد أبراهيم ان يؤدي امر الله في ذبح ابنه وهنا تأتي اهم قضية في العبادة بحد ذاتها الثقة بالله والإذعان له حتى لو لم ندرك المصلحة مع انه دائما وابدا طالبنا بالتدبر ..ففي سيره لذبح ابنه جاءه الشيطان كما قيل في الأثر أو سمّه وسوسة الشر او نزعة الشر في نفسه ليسول له العصيان .." وأبراهيم الذي وفى" كما وصفه القرآن .. أي الذي وفى كل اوامر الله الى أبعد حد في الطاعة المطلقة لله ..أمسك بالجمرات ورمى بها في تلك اللحظة ذاك الشر وخلعه من نفسه ..فكانت الجمرات كما ذكرت لك ..
ما يهمني انا ..أن الله جعل من موقف ذبح اسماعيل وأفتداءه بالكبش .. يوما عالميا آخر لتحريم قتل النفس البشرية طبعا الا بحقها .. وبشكل ايضا تطبيقي ..للتأكيد على اخطر قضية انسانية على وجه الأرض قد يقع فيها الإنسان ان الدم الإنساني له حرمة يتم لأجله الأحتفال عمليا وعالميا به ..
وكم عصفور قد ضربت هذه اللحظة التاريخية في حياة الإنسان بحجر .. فالدماء هنا في مكة تسيل ..لأجل الإنسان لا لذبح الإنسان .. بمعنى تأكيدي آخر .. الإنسان السيد على هذا الكون لا يذبح البتة ولا تراق دمائه طبعا الا بالحق وتلك قصة اخرى ..
ولأجل الإنسان الفقير.. أحتفال آخر .. ويوم عالمي آخر .. او كرنفال خاص بالمحتاجين .. لا لنسيانهم في بقية العام .. ولكن للتعظيم من أداء الواجب الإنساني تجاههم يخصص لهم في هذا المهرجان الكبير جهدا واقعيا ملموسا محسوسا .. تتعب فيه الكوادر من كل الفئات والجهات لأجل كل جائع ومحتاج على وجه هذه البسيطة ..
هل نفقه ديننا يا غاده .. هل تدبرناه .. هذا الدين ليس دينا وماشي الحال ..
كانت غاده في صدمة حقيقية ..حدقت بي وقالت :
أروى .. لم افهم الحج بحياتي كلها بهذه الطريقة ابدا .. هو ركن من أركان الإسلام وأنتهى ..كيف استخلصت كل هذه المعاني برب الكعبة ..
غاده يا هبوله ..أولا أنا سأقول لك أمر مهم وبسيط ..أثر جدا في حياتي ولا زال علمتني صديقة قديمة منذ كنت طالبه في الثانوية .. كانت تقول لي عليك بهذا الدعاء .." اللهم اهدني سواء السبيل " وانا لم اتوقف من يومها عن الدعاء به .. ويبدو لي ان الله لم يخيب رجائي به أبدا .. فرزقني القدرة على التأمل والتدبر .. لأهتدي الى معاني الأشياء من حولي وادرك كنهها .. فلم يتزعزع إيماني يوما .. حتى بأدق التفاصيل ..!!
الأمر الثاني او السر الثاني في علاقتي مع الحياة وفهم كنهها ..
أنا أحب الله جدا جدا جدا جدا ..لدرجة الجنون .. وأظنه- أخجل ان أقولها ولكنني- أظنه


















الى كل الإصدقاء الحلوين الذين يتفقدوني أحيانا بالإيميل ..يبدو ان إيميلي منذ الصباح لا يستقبل ايميلات حتى تعليقات جيران ما بتنزل عندي .. فأذا حدا حب يبعث لي أيميل .. بامكانه بعثه بالحمام الزاجل .. رقم2248 D: