كل هذه تستلقي على قارعة الحقيقة التي نتلوها في قوله تعالى :
" بل الإنسان على نفسه بصيرة(14)ولو ألقى معاذيره(15)"القيامة
إصلاحيون كنا .. مخربون كنا ..صادقون كنا ..كاذبون كنا ..مؤمنون كنا ..منافقون كنا ..عقلاء كنا ..أو حمقى كنا ..
مهما كنا ..نستطيع مغافلة كل شيء حولنا .. وكل حقيقة نراها وترانا ..الا ضمائُرنا ..فلا نهرب منها الى الأمام ولا الى الخلف .. لأننا ثابتون فيها ثابتة في دواخلنا ..!!
نعرف حقائق انفسنا ونُبصرها ..وتُبصرنا عن كثب ٍ،فلا تترك لنا امام المرآة هدفا واحدا لنحرزه من الكذب عليها ،أوالكذب علينا .
يقول الله ونقول .. يقول الرسول ونقول .. يقول العقل ونقول ..وتقول الحكمة ونقول .. حتى الفطرة فينا مهما قالت لنا ..نعيد لها القول ..ندفنه .. ليعلو صوت عنجهيتنا ونقول ..
هكذا نؤمن بأنفسنا فوق كل ايمان ..وتصبح الأنا سماوات من عنجهية وغرور .. توصلنا الى
اللا شيء مضروبا في اللاشيء مقسوما منثورا على تربة ستأكلنا لنحيا بعدها من جديد ..على حقيقةٍ اننا قد قلنا اكثر مما يجب ان نقول ..
ولم نحسن الإصغاء يوما الى ما قاله الله وما قاله الرسول ..
فشوهنا الحقيقة ..بأفهامنا السليمة ، ربما السقيمة ..بالنوايا ..!!
وشوهتنا لأجل ذلك مردودات أفهامنا ..نوايانا ..تحت الثرى وفوق طيّات الغيوم ..!!
لقد واجهت السنة النبوية المطهرة جملة من هجمات شرسة من عبيد الفكر الغربي الذين حاولوا اغتيالها والإجهاز عليها ، بكل ما استطاعوا من قوة ،وما ملكوا من حيلة ، تعددت لذلك وسائلهم ،واختلفت مسالكهم ، وان اتحدت مآربهم .
فمنهم من تولوا حملات التشكيك في ( ثبوت السنة )إما التشكيك فيها كلها أو في السنة القولية خاصة –وهي جمهرة السنة ومعظمها – أو في الرواة المشاهير كأبي هريرة رضي الله عنه .
ومنهم من حملوا لواء الطعن في حجيتها ومصدريتها لتشريع الإسلام وتوجيهه،وزعموا أنهم استغنوا بالقرآن الكريم عنها !
ومن هؤلاء ، من يحاول هدم السنة بالسنة نفسها ، وذلك بأخذ بعض الأحاديث وتحريفها عن مواضعها ، والأستدلال بها على غيرما تدل عليه .
حديث حرف عن موضعه :
ومن هذه الأحاديث التي وظفها بعضهم توظيفا سيئا :
الحديث المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه في قضية تأبير النخل ( تلقيح النخيل ) ، وفيه قال في بعض
الروايات:
" أنتم أعلم بأمر دنياكم " (1)
فقد أراد بعضهم أن يحذف النظام السياسي كله من الإسلام بهذا الحديث وحده ، لأن امور السياسة اصولا وفروعا من أمر دنيانا ، فنحن اعلم به .فليس من شأن الوحي أن يكون له فيها تشريع أو توجيه ،فالأسلام عند هؤلاء دين بلا دولة ، عقيدة بلا شريعة !
وأراد آخرون أن يحذفوا النظام الأقتصادي كله من الإسلام كذلك ، بسبب هذا الحديث الواحد !
المهم ان بعض الناس أراد ان يهدم بهذا الحديث الفرد كل ما حوت دواوين السنة الزاخرة من أحاديث البيوع والمعاملات ، والعلاقات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية ..
وكأن الرسول قال هذا الحديث لينسخ به جميع أقواله وأعماله وتقريراته الأخرى ،التي تكوِّن السنة النبوية المطهرة !
وهذا الغلو من بعض الناس ، هو الذي جعل عالما كبيرا مثل المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر -رحمه الله- يعلق على هذا الحديث في مسند الإمام أحمد (2) فيقول :
" هذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر وصنائع أوربا فيها ، من عبيد المستشرقين ، وتلامذة المبشّرين ، فجعلوه أصلا يحجون به اهل السنة وأنصارها ، وخدّام الشريعة وحماتها ،إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السَّنة ، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام ، في المعاملات وشؤون الأجتماع وغيرها ، يزعمون أن هذه من شؤون الدنيا ، يتمسكون برواية انس :" أنتم اعلم بأمر دنياكم " والله يعلم أنهم لا يؤمنون ،لا بالألوهية ، ولا بالرسالة ، ولا يصدقون القرآن في قرارة نفوسهم .ومن آمن منهم فإنما يؤمن بلسانه ظاهرا ً، ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه ،لا عن ثقة وطمأنينة ، ولكن تقليدا ً وخشية ، فإذا ما جد الجد ، وتعارضت الشريعة الكتاب والسنة ، مع ما درسوا في مصر أو في أوروبا لم يترددوا في المفاضلة ، ولم يحجموا عن الإختيار ، وفضلوا ما أخذوه عن سادتهم ، وأختاروا ما أشربت قلوبهم ! ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس الى الإسلام !!
والحديث واضح صريح ،لا يعارض نصّاً ، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسُّنة في كل شأن ،وإنما كان في قصة تلقيح النخل ان قال لهم : " ما أظن ذلك يغني شيئاً" . فهو لم يأمر به ولم ينه ، ولم يخبر عن الله ، ولم يسن في ذلك سنة ، حتى يتوسع في هذا المعنى الى ما يهدم به أصل التشريع ".
معنى " أنتم أعلم بأمر دنياكم " :
إذن ما معنى هذا الحديث :" أنتم اعلم بأمر دنياكم "
إن معناه واضح لا لبس فيه ، وهو أن الدين لا يتدخل في أمور البشر التي تدفع اليها غرائزهم وحاجاتهم الدنيوية ، الا حيث يكون فيها إفراط أو تفريط أو انحراف ، كما انه يتدخل ليربط حركات االإنسان كلها – حتى الغريزية والعادية منها – بأهداف ربانية عليا ، وقيم اخلاقية مثلى ، ثم ليرسم آداباً إنسانية راقية في اداء هذه الأعمال ، تميزه عن الحيوان الأعجم .
ونضرب هنا بعض الأمثلة للأمور الدنيوية وموقف الإسلام منها :
1- القتال :
خذ مثلا القتال .
فالأسلام جاء يحدد أهداف القتال ، ويأمر بالأستعداد له ، وأخذ الحذر من العدو ، واعداد ما يستطاع من القوة ، مثل قوله تعالى :
" يا ايها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات او انفروا جميعا " 71 النساء
" واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " 60 الأنفال
" ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة " 102النساء
وقوله صلى الله عليه وسلم :" الا ان القوة الرمي "(3) ، و " من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة كفرها "(4) ، و" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله "(5) .
كما جعل للحرب آدابا تراعى " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " 190البقرة .
وفي الحديث :" لا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا "(6).. الخ ..
أما نوع الأسلحة التي تستعمل في القتال ، وطريقة صنعها ، وكيفية التدريب عليها ، وما شابه ذلك ، فليس من شان الدين ، إنما هو من شان وزارة الدفاع وقيادة القوات المسلحة .
قد يكون السلاح في عصر ما هو السيف والرمح والقوة ، وفي عصر ثان هو المنجنيق ، وفي عصر ثالث هو البندقية والمدفع ، وفي عصر آخر هو القنابل أو الصواريخ .
وقد يستخدم المحاربون – في وقت ما – الخيل ، وفي وقت آخر الفيلة ، وفي وقت ثالث الدبّابات أو الطائرات او مراكب الفضاء .
وتوجيه الدين في عصر الخيل بالنظر الى القتال ، هو نفس توجيهه في عصر سفن الفضاء .
الهدف هو الهدف :" أن تكون كلمة الله هي العليا " ، والأدب هو الأدب : " ولا تغدروا ولا تمثلوا " ، " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "
وإعداد القوة المستطاعة ، وأخذ الحذر ، وتدريب الأمة : هو هو ،تتغير الآلآت والوسائل والكيفيات ، أما المبادىء و الغايات فهي ثابتة باقية .
2-الزراعة :
وهناك مثال آخر : الزراعة .
فالإسلام يحث عليها ، ويعدُ الزّراع بأفضل المثوبة عند الله :" ما من مسلم يزرع زرعا ً او يغرس غرساً ، فيأكل منه طير ُ أو إنسان او بهيمة ، الاّ كان له به صدقة "(7)
ولكن الدين لا يتدخل ليعلم الناس كيف يزرعون ؟ وماذا يزرعون ؟ ومتى يزرعون ؟ وبأي شيء يزرعون ؟ وبماذا يسقون الزرع ؟ أبالشادوف أم بالطنبور أم بالساقية ؟ أم بالآلة الميكانيكية ؟ بالري التقليدي ام بالرش أم بالتنقيط ام غيرها ؟
الدين لا دخل له هنا ، فليس هذا من اختصاصه ، إنما هو من اختصاص ووزارة الزراعة او ما يشبهها من المؤسسات !
وتطور أدوات الزراعة من المحراث الذي تجرُّه الأبقار ، الى المحراث الميكانيكي ، وتغير طريقة الري وادواته من الشادوف والسواقي الى الآلات الميكانيكة الحديثة ، ومن طريقة الغمر الى طريقة الرش او التنقيط ، لا يغير من موقف الدين وتوجهاته الرئيسية الأولى .
3- التداوي :
ونضيف مثالا ثالثا ، زيادة في التوضيح ، وهو التداوي , لقد فهم بعض الناس من قديم ان المرض شيء قدّره الله على الإنسان ، وما قدره الله نافذ لا محالة ، فما فائدة التداوي ؟
والنبي صلى الله عليه وسلم يلحظ ذلك ، فبين للناس ان المرض من الله ، والدواء من الله :
" يا عباد الله : تداووا ، فإن الله لم يضع داء الا وضع له دواء ، غير داء واحد : الهرم " (8)
" وما انزل الله داء ً الا أنزل له الدواء " (9) ،" إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم " (10)
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأدوية : هل ترد من قدر الله شيئاً ؟ فقال : هي من قدر
الله "(11). وهو بصفة عامة ، يوصي بصيانة البدن وحفظه ووقايته من كل أذى ، لأنه عدة المؤمن للجهاد واداء واجبه نحو ربه ونفسه وأسرته والناس اجمعين .
أما الدواء ، فما هو . وكيف يصنع ؟ ومن أي المواد ؟ وما مقداره ؟ الخ .. فليس هذا من شأن الدين ، وإنما هو من شأن وزارة الصحة وما شابهها .
لكن يبقى توجيه الدين الأول – في الحث على التداوي وعدم التداوي بالحرام ، وفي رعاية حق البدن – ساريا ً غير منسوخ ولا مبدل .
هذا هو المفهوم من هذا الحديث :" أنتم أعلم بأمردنياكم " وليس معناه عزل الدين عن الحياة ..!!
د. يوسف القرضاوي
" السنة مصدراً للمعرفة والحضارة "
ص12-17









الأخوة الأفاضل ..
اولا أعتذر عن التأخير في إضافة الحواشي الخاصة بالموضوع المنقول عن كتاب الدكتور القرضاوي بسبب الإنشغال ..
ثانيا اعتذر عن فتح باب التعليقات هذه الفترة لظروف استثنائية وخاصة بواقعي مما يعقيني عن إعطاء مدونتي وأصدقائي المعلقين حقهم الطيب في الرد عليهم ..ولذلك افضل أغلاق التعليقات ريثما يتسنى لي بعضا من الوقت الذي أفتقده هذه الأيام ..
مخ خالص حبي وتقديري للأصدقاء جميعا ..
فسامحونا ..